حبيب الله الهاشمي الخوئي

195

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الدّنيا ومدّة عمرهم كما يطوى المسافر منازل طريقه . ومحصّل الجملتين أنّ السابقين الأوّلين من المقرّبين وأصحاب اليمين لما عرفوا بعين بصائرهم أنّ الدّنيا ليست لهم بدار وأن الآخرة دار قرار لا جرم كانت همّتهم مقصورة في الوصول إليها ، فجعلوا أنفسهم في الدّنيا بمنزلة المسافر ، وجعلوها عندهم بمنزلة المنازل فاخذوا من ممرّهم ما يبلغهم إلى مقرّهم فلما ارتحلوا عنها لم يبق لهم علاقة فيها كما أنّ المسافر إذا ارتحل من منزل لا يبقى له شيء فيه فأمر المخاطبين بأن يكونوا مثل هؤلاء في الزّهد في الدّنيا وترك العلايق والامنيّات والرغبة في العقبي والجنّات العاليات وهي أحسن منزلا ومقيلا . ثمّ شرع في ذكر فضل القرآن وبيان ممادحه ترغيبا في الاهتداء به والاقتباس من ضياء أنواره فقال عليه السّلام ( واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح ) المشفق ( الَّذي لا يغشّ ) في إرشاده إلى وجوه المصالح كما أنّ الناصح الصديق شأنه ذلك ( والهادي الَّذي لا يضلّ ) من اهتدى به . روى في الكافي عن طلحة بن زيد عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : إنّ هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدّجى ، فليجل جال بصره ويفتح للضياء نظره ، فانّ التفكَّر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظَّلمات بالنور . ( والمحدّث الَّذي لا يكذب ) في قصصه وأحاديثه وأخباره قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام فيما روى في الكافي عن سماعة بن مهران عنه عليه السّلام انّ العزيز الجبّار أنزل عليكم كتابه وهو الصّادق البارّ فيه خبركم وخبر من قبلكم وخبر من بعدكم وخبر السماء والأرض ولو أتاكم من يخبركم لذلك تعجّبتم . ( وما جالس هذا القرآن أحد ) استعار لفظ المجالسة لمصاحبته وملازمته وقراءته والتدبّر في ألفاظه ومعانيه ( إلَّا قام عنه ) استعار لفظ القيام لترك قراءته والفراغ عنها ولا يخفى ما في مقابلة الجلوس بالقيام من اللَّطف والحسن فانّ المقابلة بين الفعلين في معنييهما الحقيقين والمجازين كليهما على حدّ قوله تعالى : * ( أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناه ُ ) *